Recensione del libro “Uomini sotto il sole” di Ghassan Kanafani. رجال في الشمس

ghassan kanafani

أراح أبو قيس صدره فوق التراب النديّ، فبدأت الأرض تخفق من تحته: ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتّجة ثم تعبر إلى خلاياهفي كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض ما زال، منذ أن استلقى هناك أوّل مرة، يشقّ طريقاً قاسياً إلى النور قادماً من أعمق أعماق الجحيم”.

هذه بداية الرواية (رجال في الشمس) التي تحمل القارئ مباشرةً إلى عقل واحد من الشخصيات الكتاب. أسلوب اللغة واستخدام التشبهات ووفرة التفاصيل وصفاتها تجعل غسان كنفاني مؤلّفاً بارزاً ومعروفاً في كلّ أنحاء العالم. قبل بداية نقد الرواية من اللازم التكلّم عن حياة الكاتب لكي نفهم بطربقة عميقة البيئة التي ينبع فيها هذا الكتاب وتأثيره في القضية الفلسطينية وفي الأدب العربي الحديث بشكل عام.

حياة غسان كنفاني

ولد غسان كنفاني في عكا عام 1937 ودرس في يافا حتى أضطر إلى الهجرة منها كما هاجر الآف من إخوته الفلسطينيين بعد نكبة 1948. أولاً ذهبت عائلته إلى جنوب لبنان ولم يمض وقت طويل حتى انتقل إلى دمشق حيث انتهى من المدرسة الثانوية وحصل على شهادة التعليم من مدارس (الأنروا) وسجّل في كلية الأداب في جامعة دمشق. انتقل إلى الكويت عام 1956 حيث عمل أستاذاً وبدأ يشتغلّ في الصحافة. في الفترة نفسها أصبح ناشراً في صحيفة الرأيالتي كانت جريدة مرتبطة بالحركة الوطنية العربية. في عام 1960 انتقل إلى بيروت حيث عمل ناشراً أدبيّاً محرّراً لجريدة الحرّية الأسبوعية ثم أصبح رئيساً لتحرير جريدة المحرّركما عمل في الأنوارحتى عام 1969 حين أسّس صحيفة الهدفوبقي مسؤولاً عن تحريرها حتى استشهاده في عام 1972.

كتب غسان كنفاني مؤلّفات عديدة وبينها قصص ومسرحيات ودرسات وروايات. أصدر رواته الأولى رجال في الشمسفي سنة 1963 وهي تعبير عن العمل الروائي الفلسطيني الأوّل الذي تتحدّث عن القضية الفلسطينية وتعطي وصفاً حقيقياً عن تحطّم حياة الأفراد والموت والتشرّد. بهذه الرواية يعطي الكاتب ضوءً للحياة اليومية للآف الفلسطينيين الذين عاشوا النكبة الأولى عام 1948. يستطيع القارئ أن يعيش مع الكاتب مأساة الشعب الفلسطيني وفي الوقت نفسه يعلّم عبر الرواية إرادة الفعل الفلسطيني قبل نكبة حزيران 1967. كتب غسان كنفانيهذه الرواية في أوائل عام 1962 حين أضطر للاختباء في بيروت لأنّه لم يكن يمتلك الأوراق الرسمية. يستخدم غسان تجارب حياته الشخصية ليؤلّف روايته رجال في الشمسالبُزْرَى وفيها يشرح ويصف المشاكل الجدّية التي يواجهها الشعب الفلسطيني بوساطة ثلاث شخصيات تمثّل أجيال عمرية محتلفة وهي استعارة للفلسطينيين كلهم.

تلخيض الرواية

أبو قيس وأسعد ومروان مرتبطون بالقدر المشترك وبالغاية المتشابهة. هم يريدون أن يهربوا من الفقر والظلم في أرضهم للبحث عن عمل وعن فرصة حياة أفضل في الكويت. أبو قيس الأكبر منهم يحلم أن يبدأ حياة جديدة في الكويت ليعيل زوجته وولدَيه. مروان هو الأصغر ويهرب لكي يساعد عائلته. أسعد لا يمتلك شيئاً ثميناً ويقرّر أن يهرب لأن الحياة لن تكون أسوأ في الكويت، بالنسبة له لا يوجد حلّ إلاّ الهروب. يتعرّف أبطال الرواية على بعضهم البعض بوساطة أبي الخيزران الذي يقنعهم بتهريبهم إلى الكويت داخل خزّان مياه فارغ. أبو الخيزران سائق شاحنة لنقل المياه العذبة من العراق إلى الكويت وبرغم أنه المهرّب في هذه الرواية، هو يشاركهم في قدرهم وفي مأساة الشعب الفلسطيني بحيث فقد رجولته في حرب 1948. أسعد وأبو قيس ومروان يتفقون مع أبي الخيزران على تهريبهم إلى الكويت لذلك يبدؤون هذه المغامرة وفي البداية يجلسون بجانب السائق وعندما يصلون إلى الحدود العراقية ينتقلون إلى داخل خزّان المياه الفارغ بينما أبو الخيزران يدخل في مكتب الشرطة ليريهم الأوراق. بعد ستة دقائق يفتح لهم الخزّان وينضمون إليه. عند حدود الكويت يختبئون مرّة أحرى في الخزّان حيث الحرارة المرتفعة تجعل البقاء فيه حجيمًاً. يبقى السائق وقتاً طويلاً على الحدود لأنّ الموطّفين الكويتيين يمزحون معه ولا يسمحون له بتجاوز الحدود، ونتيجة لهذا، يبقى الأبطال داخل الخزّان لمدّة عشرين دقيقة، عندما يفتح أبو الخيزران باب الخزّان ليتحقّق ما كان يخشاه لا يوجد سوى جثث الرجال. في النهاية يرميها على أرض الصحراء ويواصل سفره بينما يلد سوأل في عقله:لماذا لم يدقّوا جدران الخزّان؟ ينتهي الكتاب مع هذا السوأل الذي ينتشر كصدى في فراغ الصحراء كما أنّه ينتشر في عقول القرّاءلماذا لم يدقّوا جدران الخزّان؟

الشخصيات

بما يتعلّق بالشخصيات، يستخدم غسان كنفاني الطريقة الممثلية ليرسمها بحيث يبتعد ليتيح الشحصيات التعبير عن نفسها والكشف عن طبيعتهم عبر تصرّفاتهم وأفكارهم.

أبو قيس: من السطور الأولى يحسّ القارئ بالارتباط العميق بين أبي قيس والأرض عندما ضربات قلب الأرض تعبر من خلال جسده. هو مستلقي على الأرض ويترك عقله يفكّر بكلّ حياته الماضية لكي يتعرّف القارئ على هذه الشخصية بطريقة مباشرة دون توسّط الكاتب. هو مشتاق إلى أرضه و إلى قريته التي دُمِّرَ من قبل الجيش الإسرائيلي . تبعده عن فلسظين عشر سنوات والآف الأميال. هو الآن يعيش على غير هدىكما الطائر الأسود الذي يحلق فوقه عالياً في السماء. منذ عشر سنوات هو يعيش لاجئاً، بكلمات أخرى، كما يقول صديقه سعد، هو ككلب عجوز في بيت حقير“. لو مات في تلك الآيام خلال النكبة لأنقذ شيخوخته من العار ولَمَا أعرقه الفقر. أبو قيس متزوّج وعنده ابن اسمه قيس يدرس في المدرسة وابن آخر صغير. أنجبت زوجته بنتاً اسمها حسنا لكنّها ماتت بعد شهرين لأنّها كانت ضعيفة. هو يحسّ أنّه غريب و صغير وهو يحدّق إلى نهر شطّ الذي يجري أمامه ويفصّله عن الكويت حيث يوجد كل الأشياء التي حُرِمَ منها. في كل الكتاب تمثّل الفرصة الدافع للهروب. بما يتعلّق بأبي قيس، يتمنى أن يهرب إلى الكويت لجمع الثروة كما يستطيع القارئ أن يفهم من الحوار التالي الذي يدور بينه و بين زوجته:

 أبو قيس: “ماذا تريدين يا أمّ قيس؟

 حدقت إليه وهمست: “ كما ترى أنت…”

سيكون بوسعنا أن نعلّم قيس…”

نعم

وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين

طبعاً

وربما نبني غرفة في مكان ما…”

أجل

إذا وصلتُإذا وصلتُ…”

لهذه الأسباب يُقنَع أبو قيس العجوز بالسفر إلى الكويت ليحاول تحقّق مستقنلاً أفضل له ولعائلته كلّها.

أسعد: هو رجل قوي عازم كما يفهم القارئ من بداية الفصل الثاني، طبيعته العقلية والمنطقية تجاه الحياة تنجم عن تجاربه الماضية. يبتعد الكاتب ليترك هذه الشخصية تعبّر عن نفسها عبر ذكريات الحوادث الماضية. عندما كان صغيراً دفع عشرين ديناراً لي ليهرّبه أبو العبد من عمّان إلى بغداد (لكنّه كذب عليه، استغلّ براءته وجهله، خدعه) وتركه وحيداً في منتصف الطريق. هو يمثّل الجيل الأوسط، هم بلا نقود وبلا أمل للمستقبل إلاّ في الهروب. أين يجد المبلغ اللازم للسفر؟ هو يطلبه من عمّه الذي يعطيه خمسين ديناراً لأنه يريد أن يزوّج أسعد من ابنته ندى. لماذا تعتمد الحياة على النقود؟ لماذا هو مجبر على الزواج من هذه الفتاة التي لايريدها؟ لأنّه لا يوجد خيار آخر، ليس لديه الوسائل المادّية ليعيش دون أن يطلب مساعدة من الآخرين. ما أسوأ هذه الحالة الإنسانية! عندما عمّه يعطيه النقود هو (أحسّ الإهانة تجترح حلقه ورغب في أن يردّ الخمسين ديناراً لعمّه، بوجهه بكلّ ما في ذراعه من عنف وفي صدره من حقد). لكنّه يقبلهيمثّل هذا الفعل عجزاً عن تمرّد على تحكّم أقاربه. لا يوجد حلّ آخر سوى الهروب إلى الكويت حيث (يستطيع المرء أن يجمع نقوداً مثل لمح البصر). أسعد كأبي قيس يعتقد أنّ الكويت هو البلد الذي تتحقّق فيه كلّ أحلامه.

مروان: هو الشخصية الصغرى عمره ستّ عشرة سنة مع ذلك يتصرّف كرجل بالغ لأنّه يدرك أن الناس (يضحكون عليه ويخدعونه ويستغلّون سنينه الستّ عشرة وجعل منه ألعوبة). هو يرغب أن يهرب إلى الكويت من أجل النقود ويتمنّى أن يساعد أهله. هو كان يعيش مع والديه وإخواته الخمسة في بيت طيني في مخيّم من مخيّمات اللاجئين في العراق. أخوه الأكبر زكريا سافر إلى الكويت ليعمل هناك ليبني لنفسه مستقبلاً أفضل. كان في البداية يرسل النقود لإعالة عائلته في العراق وبعد زواجه توقّف عن ذلك وقال لمروان أنّه جاء دوره ليتحّمل مسؤولية أسرته برغم أنّ أسعد كان يدرس في المدرسة وكان يحلم أن يصبح طبيباً. أمّا أبو مروان فهو ترك أمّه ليتزوّج امرأة مشوّهة اسمها شفيقة فقدت ساقها أثناء قصف يافا. فضّل والده حياةً مريحةً تحت (سقف من اسمنت) بالبيت الذي تمتلكه شفيقة. بعد أن تزوّج زكريا كان أبوه معدماً واختار أن يمضي شيخوخته دون تفكير بالنقود وبالمشكلات الحياة. مروان يحلم بالوصول إلى الكويت وبعمله هناك لكي يرسل كلّ قرش يحصّله إلى أمّه حتّى يصبح الكوخ الذي تعيش فيه عائلته داراً جميلاً تجعل أباه نادماً. مروان هو بطل إيجابي يمثّل سذاجة الأطفال وطبية قلبهم على الرغم من كلّ ما حدث له. هو يتنازل عن أحلامه كلّها لإعالة أمّه وإخواته ويواجه الهروب دون أن يدرك الخطر الحقيقي الذي سيتحّمله. قلبه ما زال طيب ولا يستطيع أن يفهم كيف تركه أخوه دون معيل. قدّم أبو الخيزران جواباً عن هذا السوأل: (أوّل شيء ستتعلّم هو أن: القرش يأتي أوّلاً، ثمّ الأخلاق).

أبو الخيزران: هو سائق شاحنة لنقل المياه العذبة من العراق إلى الكويت. يتعرّف القارئ على هذه الشخصية عبر عيني مروان: (هو رجل طويل القامة جداً، نحيل جداً، ولكن عنقه وكفيه تعطي الشعور بالقوة والمتانة وكان يبدو لسبب ما، أنه بوسعه أن يقوس نفسه، فيضع رأسه بين قدميه دون أن يسبّب ذلك أي إزعاج لعموده الفقري أو بقية عظامه). خلال الرحلة إلى المجهول يكمل القارئ معرفة أبي الخيزران بوساطة أفكاره وذكريات حياته الماضية. هو يشارك الأبطال الآخرين في مشكلاتهم الشخصية إضافة إلى مشكلة الوطن وحياتهم كلاجئين. فقد أبو الخيزران رجولته مقاتلاً ضدّ العدو من أجل وطنه قبل عشر سنوات ولذلك هو ليس متزوّجاً ولديه جروح عميق في قلبه. يفضّل أبو الخيزران الموت على الحياة كإنسان مذلّل بسبب فقد رجولته مثل ما يتمنّى أبو قيس الموت بدلاً من الحياة كرجل فقير ولاجئ.أبو الخيزران يعمل مهرّباً لأنّه يريد مزيداً من النقود ومن الصعب أن يجمعها بطريقة شرعية لذلك أحياناً يهّرب الناس من العراق إلى الكويت. يتمنّى التوقّف عن العمل بعد سنتين ولهذا السبب يريد أن يمتلك مبلغاً من النقود يسمح له بعيش شيخوخته دون أي قلق. من بداية الرواية يبدو أبو الخيزران رجلاً صادقاً ونزيهاً مع أنّه يعمل مهرّباً. على سبيل المثال هو يطلب من أبطال القصّة مبلغاً مقبولاً وعادلاً من النقود ويقبل أن يتسلّمه بعد وصولهم إلى الكويت. إضافة إلى ذلك يثق الأبطال به بشكل كامل حتى أنّ يتفقوا معه على البقاء داخل حزّان المياه على الرغم من الحرارة المرتفعة جداً. فهو خلال الرحلة ولا سيما خلال اجتياز الحدود يبدو للقارئ قلقاً جداً ويفكّر دائماً بحالة رجال في الشمسبل في النهاية هو يرمي جثثهم على الأرض و يسرق نقودهم. إنه صحيح أنّ القرش يأتي أوّلاً، ثمّ الأخلاق. يمثّل أبو الحيزران الحالة الفلسطينية بكلّ سلبياتها وإيجابياتها وتناقصاتها.

تمثّل شخصيات الرواية الواقع الفلسطيني وكلّ واحدة منها رمز لناحية من هذه القضية. قدر الأبطال مشترك لأنّهم فلسطينيون لاجئون يختارون المغامرة نفسها ويموتون بطريقة نفسها. أبو الخيزران هو الذي يربط حياة الشخصيات بعضها ببعض. هذه الشحصيات ثابتة لأنّها لا تتغيّر وتتطوّر مع الحدث إلاّ مع علاقتها بالشخصيات الأخرى وبحوادث حياتهم. هي ذات طابع واحد في تصرّفها لأنها تمثّل الشعب الفلسطيني بشكل عامّ. في هذه الحالة لا يوجد امكانية للاختيار الشخصي ومن البداية حتى النهاية إرادة الشخصيات هذه ،وإرادة الفلسطينيين عموماً ، هي البحث عن العمل والنقود لكي يبقوا على قيد الحياة. كيف يستطيع الإنسان أن يتطوّر إذا كان اهتمامه الرئيسي الحياة؟ إضافة إلى الشخصيات التي تكلّمتُ عنها في الصفحات السابقة، من اللازم أن نتحدّث عن الحرارة التي تمثّل أهمّ عامل يؤثّر في حوادث الرواية، بكلمات أخرى، نستطيع أن نعتبرها الشخصية الخامسة في هذه القصّة.

الحرارة: يعطي الكاتب وصفاً دقيقاً عنها ومن البداية يستخدم كلمات خاصّة كما يقرأ القارئ من الصفحات الأولى (القيظ) وحتى العنوان (رجال في الشمس) وعنوان الفصل الخامس (الشمس والظلّ). إنّها الشمس التي تقرّر قدر الشخصيات وتقوم بدور مهمّاً جداّ في كلّ الرواية. يملأ القصّة بصفحات حيث يصف كنفاني الحرارة وأثرها في الأبطال. عندما يصعدون إلى حزّان الشاحنة لأوّل مرّة يُنقل القارئ إلى داخله معهم ويشارك معهم في هذه المأساة. يفهم القارئ من الكلمات أبي الحيزران (أنصحكم أن تنزعوا قمصانكمالحرّ خانق ومخيف هنا وسوف تعرقون كأنّكم في المقلى) أن هؤلاء الرجال جاهزون لتحمّل أي ألم للحصول على غايتهم. الحرارة موجودة أيضاً عندما يخرجون من الخزّان فهم ليسوا قادرين على أي حركة حتى يظنّ السائق أنّهم موتى (لولا أن صدر مروان كان يرتفع ويهبط، ولولا أبا قيس كان يتنفّس بصفير مسموع، لخيل إليه إذن أنّهما ميتان). وجوههم حمراء ومبلّلة وسراويلهم مغسولة بالعرق. في النهاية تسبّب الحرارة موت الأبطال كما يتوقّع القارئ من الفصول الأولى. البيئة أقوى من الإنسان ولا أحد يستطيع أن يهزمعا. الشمس بأشعّتها القوية قادرة على جعل اليوم يشبه السنة وفي الوقت نفسه إنّها تقصّر وقت حياة الأبطال.

الطريق

لا أستطيع كتابة نقد الرواية هذه دون أن أتكلّم عن الطريق ولاسيما عن فصل (الشمس والظلّ) لأنّه، بالنسبة لي، يمثّل الفصل الرئيسي في هذا الكتاب. الأبطال في الظلّ جالسين في الشاحنة ومسافرين إلى الكويت لكن في الوقت نفسه هم في الشمسداخل الخزّان متحّملين الحرارة الشديدة. طبعاً الشمس والظلّ رموز للحياة و للموت لكنّها في هذا الكتاب تأخذ معاني معاكسة: الظلّ يمثّل الإنقاذ من الشمس والحياة في الكويت فالشمس رمز للموت في الصحراء. الطريق يمثّل الحياة كلّها، بكلمات أبي الخيزران (إن هذه الكيلومترات المئة والخمسين أشبهها بيني وبين نفسي بالسراط الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنّة والنارفمن سقط عن السراط ذهب إلى النار، ومن اجتازه وصل إلى الجنّةأمّا الملائكة هنا فهم رجال الحدود!). تلخّص هذه الكلمات الفكرة الرئيسية في القصّة: الأبطال معلّقون بين المعروف والمجهول بين الحيات والموت، بين النصر والخسارة وهم مدركون لهذه الحالة. الطريق هي فرصة للحياة الجديدة والتحقّق الأحلام. يستخدم الكاتب أسلوباً قصصياً معيناً وفعلياً لأنّه يغيّر دائماً الراوي، بكلمات أخرى، لا يوجد راوي واحد في هذه القصّة بل كلّ واحد يتحدّث عن حياته الماضية وعن أحلامه للمستقبل كما يلاحظ القارئ خصوصاً في بداية فصل (السمش والظلّ) حيث كلّ شحصية تفكّر بفرصها في المستقبل ويتغّير الراوي فجأةً. هم يستمرّون بمغامرتهم إلى المجهول بمرافقتهم أحلامهم وعائلتهم وطموحهم وبؤسهم وماضيهم ومستقبلهم. يحلم أبو قيس أن يشتري بيتاً ليعيش فيه مع عائلته وأن يرسل ابنه قيس إلى المدرسة. هو عجوز لكنّه ليس خيفاً من هذه المغامرة لأنّ حياته الماضية كانت أسوأ من الموت. مروان يفكّر بعائلته ويتمنّى أن يغتني لإعالة أمّه وإخواته. أبو الخيزران يتذكّر الماضي والتذليل الذي تعرّض له. ما هو معنى الحياة إذا لم يستطع النوم مع امرأة؟ لا شيء إلاّ النقود. أسعد يفكّر بمغامرته السابقة وبحياته قبل المغادرة. لم يكن خيار آخر إلاّ هذه الرحلة إلى المجهول. ما أجمل هذا الفصل! إنّه يبدو للقارئ وصية الأبطال قبل موتهم. قدرهم مرتبط بخيط خفي يجعلهم يختارون هذا السفر ولسوء الحظ يجعلهم يلتقون بالموت نفسه.

الأسلوب اللغوي

يبرز غسان كنفاني في الأسلوب اللغوي والقصصي الذي يستخدمه في هذه الرواية. من بداية قراءة الكتاب، يفهم القارئ أنّ المؤلّف يصمّم الحدث بطريقة معيّنة. لا يوجد ترتيب زمني في الحكبة القصصية بل يترك كنفاني الشخصيات تتحدّث عن نفسها ويبدأ من المنتصف ثم يردّ كلّ حادثة إلى أسبابها. يناسب هذا الخيار القصّة حيث الماضي والحاضر والمستقبل تصبح وقتاً زمنياً واحداً وإنّه وقت السفر إلى المجهول. الحكبة القصصية هي في البداية مفكّكة ثمّ محكمة، بكلمات أخرى، في الفصول الثلاثة الابتدئية يذكر كنفاني أحداثاً متعدّدة عبر مترابطة برابط السببية ولا يجمع بينها سوى أن الشخصيات تريد أن تهرب وتذهب إلى (الرجل السمين صاحب المكتب) في البصرة. في الفصول الأخرى تترابط حوادث القصّة وتسير في خط واحد بعد أن يتعرّف الأبطال على أبي الخيزران وتبدأ الرحلة إلى المجهول.

بما يتعلّق بالإطار المكاني فلا يوجد مكان معيّن في الرواية إلاّ ذكرى فلسطين وحلم الكويت. لا يوجد أي وصف للأماكن التي تعيش فيها الشخصيات والقارئ يعرف فقط أنّها في البصرة في العراق لأنّها تريد الهروب إلى الكويت. بالنسبة لي هذا رمز العجز عن إعطاء وصف دقيق إلاّ لفلسطين. في رأي الكاتب، هل يوجد أرض أجمل من فلسطين حيث تكبر أشجار الزيتون؟ بالرغم من أنّه لا يصف الأماكن، هو يعطي وصفاً دقيقاً وعميقاً عن الشخصيات وعن شعورهم وعن تجارب التي تعيشها ويستخدم التشبيهات ليجعل القارئ يشارك أحاسيسهم. التشبيه أسلوب جيد للمقارنة بين الإحساس وبين شيء معروف للكلّ. على سبيل المثال في الصفحة الأولى يقارن كنفاني رائحة الأرض التي يتنفّسها أبو قيس برائحة شعر زوجته حين تخرج من الحمّام. نحن، قرّاء الكتاب، لا نستطيع ألاّ نشارك أبا قيس في تنفّسه وألاّ يتخيّل أنّه يستلقي على الأرض ويرى زوجته مع شعرها المبلّل.

يستخدم كنفاني لغة غنية وأحياناً معقّدة عندما يطمح في تصوير أفكار الشخصيات. يستعمل الحوار بكثرة ولذلك يسمح للقارئ أن يشكّل طبعية الشخصيات دون تدخّل الكاتب بشكل مباشر في الرواية. عادةً لغة الحوار لغة بسيطة وسهلة والجمل قصيرة ومباشرة. عبر الحوار، الكاتب يصل الشخصيات ببعضها ويترك للقارئ مهمّة التعرّف.

معاني الرواية

تعبّر رجال في الشمسعن صراخ الشعب الفلسطيني وعن المقاومة الفلسطينية ضدّ إسرائيل الظالمة. هذه الرواية مملؤوة بالرموز ومن الصعب أن أشرحها كلّها. نستطيع أن نحدّد مستويين قصصيين في هذا الكاتب:

  1. الموضوع الرئيسي اجتماعي ونفسي لأنّه يروي الحياة والأحلام لثلاثة رجال فلسطيننين لاجئين. تتحدّث هذه الرواية عن إرادة الأبطال في بناء مستقبل جديد في اللجوء. هم ضعفاء لأنّهم يفضّلون الحصول على النقود على القتال والمقاومة من أجل فلسطين. هل الموت قدر لكلّ الذين يلاحقون المكاسب المادّية والذين يهربون من وطنهم؟

  2. الموضوع سياسي لأن هذا الكتاب يمثّل شكاية كنفاني من تصرّف الفلسطينيين ومن الدول العربية بشكل عامّ. مروان وأسعد وقيس يمثّلون الشعب الفلسطيني كلّه. نستطيع أن نصل حياة أبي قيس الذي يترك أرضه بحياة الآف الفلسطينيين في العالم كلّه. أمّا مروان الذي يسافر لإعالة عائلته، فهو يمثّل اللاجئين الذين تركوا وطنهم بسبب الحالة الإقتصادية الصعبة.

لذلك السوأل النهائي (لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان) يصبح سوألاً سياسياً. لماذا الفلسطينيون لا يرفعون درجة احتجاجهم ولا يقاومون بشدّة؟ لماذا الدول العربية لا تهتمّ بالقضية الفلسطينية وتتظاهر أنّها متمسّكة بها بل هي تُجبر اللاجئين على العيش في أحزمة البؤس وفي المخيّمات؟ لماذا هذا الشعب المنحوس لا يستطيع الحصول على وطن واحد غير محتلّ؟ ذنب مَن؟ ذنب الفلسطينيين؟ ذنب إسرائيل فقط؟ ذنب الدول العربية؟ أم ذنب كلّها؟

قامت هذه الرواية بدور مهمّ طوّر الوعي الفلسطيني في الستّنات حتى يُعدّ غسان كنفاني والد المقاومة الفلسطينية ومخترع شعر المقاومة. هو دقّ جدران الخزّان في مكان أبطال الرواية مستخدماً القلم.

 

Annunci

Rispondi

Inserisci i tuoi dati qui sotto o clicca su un'icona per effettuare l'accesso:

Logo WordPress.com

Stai commentando usando il tuo account WordPress.com. Chiudi sessione / Modifica )

Foto Twitter

Stai commentando usando il tuo account Twitter. Chiudi sessione / Modifica )

Foto di Facebook

Stai commentando usando il tuo account Facebook. Chiudi sessione / Modifica )

Google+ photo

Stai commentando usando il tuo account Google+. Chiudi sessione / Modifica )

Connessione a %s...